محمد بن وليد الطرطوشي
241
سراج الملوك
والذي يجمل أن يضرب في هذا الباب ، قصة إسحاق عليه السلام ، قال له إبراهيم : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ « 1 » [ الصافات : 102 ] . ثم إنه تله للجبين وأمر على حلقه السكين فلم يقل إلا خيرا ، فقال الله تعالى : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ « 2 » [ الصافات : 101 ] . وفي الأخبار يقول إبليس لعنه الله : إن الحديد من الرجال لم ييأس منه ، وإن كان يحيي الموتى بدعائه ، لأنه تأتي عليه ساعة يحتدّ فيها ، فيصير منه إلى ما يريد . ويروى أن جعفر بن محمد « 3 » ، دخل على الرشيد ، وقد استخفّه الغضب ، فقال له : يا أمير المؤمنين : إنّك إنما تغضب لله تعالى ، ولا تغضب له بأكثر من غضبه لنفسه . واعلم - أرشدك الله - أن هذه الكلمة لا قيمة لها ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته ، فما أفخمها وأجلّ قدرها وأعظم شأنها . لأنك إذا كنت أيّها السلطان إنما تتصرف في ملك الله بأمر الله ، فالله تعالى قد حدد حدودا ، وشرع شرائع ، وأقام فروضا وسننا ، ونهى عن حدود ورسوم ، ثم قدّر في كل خصلة عند مخالفته حدّا محدودا ، ونهى أن يتجاوز ذلك الحد ، فلا يقتل من استحق القطع والحبس والأدب والحدّ ، ولا يحبس غير من استوجب الحبس . وكان الخلفاء ، يؤدّبون الناس على قدر منازلهم ، فمن عثر من ذوي المروءات أقيلت عثرته ولم يقابل بشيء ، لقوله عليه السلام : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » « 4 » . ومن سواهم كان يقابل على قدر منزلته وهفوته ، فكان
--> ( 1 ) يرى بعض المفسرين أن الذبيح هو إسحاق ولكن المشهور لدى المفسرين أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام استنادا لقوله عليه الصلاة والسلام ( أنا ابن الذبيحين أي إسماعيل وعبد المطلب ) وأن البشارة بولادة إسحاق ونبوته كانت بعد قصة الذبح الخاصة بإسماعيل ( مختصر تفسير ابن كثير ج 4 / ص 15 ) . ( 2 ) ولكن البشرى بولادته كانت قبل الرؤيا بذبحه فحبذا لو قال : لما أمرّ على حلقه السكين فلم يقل إلا خيرا فقال الله تعالى وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ الآية 107 . ( 3 ) جعفر بن محمد بن الأشعث من ولاة الرشيد على خراسان . ( 4 ) الحديث صحيح ، رواه الإمام أحمد ج 6 / 181 وغيره الكثير وزاد فيه ( إلا الحدود ) أي ( إلا في الحدود ) ومعنى أقيلوا عثراتهم : أي أقيلوا زلاتهم .